ابن أبي الحديد
118
شرح نهج البلاغة
أكثر من الدنيا . وفى كلامه المنقول عنه ما يؤكد ما قلناه ، وهو قوله : " إن عشت فأنا ولي دمى ، وإن مت فضربة بضربة " . وليس قوله عليه السلام : " وأنا اليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم " ، وما يجرى مجراه من ألفاظ الفصل بناقض ( 1 ) لما قلناه ، وذلك لأنه لا يعنى غدا بعينه ، بل ما يستقبل من الزمان ، كما يقول الانسان الصحيح : أنا غدا ميت ، فما لي أحرص على الدنيا ! ولان الانسان قد يقول في مرضه الشديد لأهله وولده : ودعتكم وأنا مفارقكم ، وسوف يخلو منزلي منى ، وتتأسفون على فراقي ، وتعرفون موضعي بعدي ، كله على غلبة الظن ، وقد يقصد الصالحون به العظة والاعتبار وجذب السامعين إلى جانب التقوى ، وردعهم عن الهوى وحب الدنيا . فإن قلت : فما تصنع بقوله عليه السلام لابن ملجم : أريد حباءه ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد ( 2 ) وقول الخلص من شيعته : فهلا تقتله ! فقال : فكيف أقتل قاتلي ! وتارة قال : إنه لم يقتلني ، فكيف ( 3 ) أقتل من لم يقتل ! وكيف قال في البط الصائح خلفه في المسجد ، ليلة ضربه ابن ملجم : دعوهن ، فإنهن نوائح ، وكيف قال تلك الليلة : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشكوت إليه ، وقلت : ما لقيت من أمتك من الأود واللدد ! فقال : ادع الله عليهم ، فقلت : اللهم أبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرا منى ! وكيف قال : إني لا أقتل محاربا ، وإنما أقتل فتكا وغيلة ، يقتلني رجل خامل الذكر . وقد جاء عنه عليه السلام من هذا الباب آثار كثيرة . قلت : كل هذا لا يدل على أنه كان يعلم الامر مفصلا من جميع الوجوه ، ألا ترى أنه
--> ( 1 ) د : " بمناقض " . ( 2 ) من أبيات فس اللآلي 63 ، نسبها إلى عمرو بن معديكرب ، وروايته فيها : " أريد حياته " . ( 3 ) ساقطة من ب .